فصل: تفسير الآيات (10- 13):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (5- 7):

{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)}
قوله تعالى: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقيل: فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل. {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} الباء زائدة، أي فستبصر ويبصرون أيكم المفتون. أي الذي فتن بالجنون، كقوله تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] و{يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6]. وهذا قول قتادة وأبي عبيد والأخفش.
وقال الراجز:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ** نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

وقيل: الباء ليست بزائدة، والمعنى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أي الفتنة. وهو مصدر على وزن المفعول، ويكون معناه الفتون، كما قالوا: ما لفلان مجلود ولا معقول، أي عقل ولا جلادة. وقاله الحسن والضحاك وابن عباس.
وقال الراعي:
حتى إذا لم يتركوا لعظامه ** لحما ولا لفؤاده معقولا

أي عقلا. وقيل في الكلام تقدير حذف مضاف، والمعنى: بأيكم فتنة المفتون.
وقال الفراء: الباء بمعنى في، أي فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون، أبا لفرقة التي أنت فيها من المؤمنين أم بالفرقة الأخرى. والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان.
وقيل: المفتون المعذب. من قول العرب: فتنت الذهب بالنار إذا حميته. ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13] أي يعذبون. ومعظم السورة نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي جهل.
وقيل: المفتون هو الشيطان، لأنه مفتون في دينه. وكانوا يقولون: إن به شيطانا، وعنوا بالمجنون هذا، فقال الله تعالى: فسيعلمون غدا بأيهم المجنون، أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} أي إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أي الذين هم على الهدى فيجازي كلا غدا بعمله.

.تفسير الآية رقم (8):

{فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8)}
نهاه عن ممايلة المشركين، وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن مما يلتهم كفر.
وقال تعالى: {وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا} [الاسراء: 74].
وقيل: أي فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم الخبيث. نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه.

.تفسير الآية رقم (9):

{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)}
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي: ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم. وعن ابن عباس أيضا: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
وقال الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والادهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين، قاله الفراء.
وقال مجاهد: المعنى ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب فيكذبون.
وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الامر فيذهبون معك. الحسن: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. وعنه أيضا: ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم. زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ويراءون.
وقيل: ودوا لو تضعف فيضعفون، قاله أبو جعفر.
وقيل: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم، قاله القتبي. وعنه: طلبوا منه أن يعبد ألهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة. فهذه اثنا عشر قولا. ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال كلها دعاوي على اللغة والمعنى. أمثلها قولهم: ودوا لو تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون.
قلت: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الادهان: اللين والمصانعة.
وقيل: مجاملة العدو ممايلته.
وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول. قال الشاعر:
لبعض الغشم أحزم في أمور ** تنوبك من مداهنة العدة

وقال المفضل: النفاق وترك المناصحة. فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأول غير مذمومة، وكل شيء منها لم يكن. قال المبرد: يقال أدهن في دينه وداهن في أمره، أي خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.
وقال قوم: داهنت بمعنى وأريت، وأدهنت بمعنى غششت، قاله الجوهري. وقال: فَيُدْهِنُونَ فساقه على العطف، ولو جاء به جواب النهي لقال فيدهنوا. وإنما أراد: إن تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك، عطفا لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.

.تفسير الآيات (10- 13):

{وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13)}
يعني الأخنس بن شريق، في قول الشعبي والسدي وابن إسحاق.
وقيل: الأسود ابن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود، قاله مجاهد.
وقيل: الوليد بن المغيرة، عرض على النبي صلي الله عليه وسلم مالا وحلف أن يعطيه إن رجع عن دينه، قاله مقاتل.
وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام. والحلاف: الكثير الحلف. والمهين: الضعيف القلب، عن مجاهد. ابن عباس: الكذاب. والكذاب مهين.
وقيل: المكثار في الشر، قاله الحسن وقتادة.
وقال الكلبي: المهين الفاجر العاجز.
وقيل: معناه الحقير عند الله.
وقال ابن شجرة: إنه الذليل. الرماني: المهين الوضيع لاكثاره من القبيح. وهو فعيل من المهانة بمعنى القلة. وهي هنا القلة في الرأي والتمييز. أو هو فعيل بمعنى مفعل، والمعنى مهان. {هَمَّازٍ} قال ابن زيد: الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم. واللماز باللسان.
وقال الحسن: هو الذي يهمز ناحية في المجلس، كقول تعالى: {هُمَزَةٍ} [الهمزة: 1].
وقيل: الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم. واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم، قاله أبو العالية وعطاء ابن أبي رباح والحسن أيضا.
وقال مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة. واللمزة الذي يغتاب في الوجه.
وقال مرة: هما سواء. وهو القتات الطعان للمرء إذا غاب. ونحوه عن ابن عباس وقتادة. قال الشاعر:
تدلي بود إذا لاقيتني كذبا ** وإن أغب فأنت الهامز اللمزة

{مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} أي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. يقال: نم ينم نما ونميما ونميمة، أي يمشي ويسعى بالفساد.
وفي صحيح مسلم عن حذيفة أنه بلغه أن رجلا ينم الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا يدخل الجنة نمام».
وقال الشاعر:
ومولى كبيت النمل لا خير عنده ** لمولاه إلا سعيه بنميم

قال الفراء: هما لغتان.
وقيل: النميم جمع نميمة. {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ} أي للمال أن ينفق في وجوهه.
وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته.
وقال الحسن: يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا. {مُعْتَدٍ} أي على الناس في الظلم، متجاوز للحد، صاحب باطل. {أَثِيمٍ} أي ذي إثم، ومعناه أثوم، فهو فعيل بمعنى فعول. {عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ} العتل الجافي الشديد في كفره.
وقال الكلبي والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل.
وقيل: إنه الذي يعتل الناس فيجرهم إلى حبس أو عذاب. مأخوذ من العتل وهو الجر، ومنه قوله تعالى: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ} [الدخان: 47].
وفي الصحاح: وعتلت الرجل أعتله وأعتله إذا جذبته جذبا عنيفا. ورجل معتل بالكسر.
وقال يصف فرسا:
نفرعه فرعا ولسنا نعتله

قال ابن السكيت: عتله وعتنه، باللام والنون جميعا. والعتل الغليظ الجافي. والعتل أيضا:
الرمح الغليظ. ورجل عتل بالكسر بين العتل، أي سريع إلى الشر. ويقال: لا أنعتل معك، أي لا أبرح مكاني.
وقال عبيد بن عمير: العتل الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا.
وقال علي بن أبي طالب والحسن: العتل الفاحش السيئ الخلق.
وقال معمر: هو الفاحش اللئيم. قال الشاعر:
بعتل من الرجال زنيم ** غير ذي نجدة وغير كريم

وفي صحيح مسلم عن حارثة بن وهب سمع النبي صلي الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة- قالوا بلى قال- كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار- قالوا بلى قال- كل عتل جواظ مستكبر». في رواية عنه: «كل جواظ زنيم متكبر». الجواظ: قيل هو الجموع المنوع. وقيل الكثير اللحم المختال في مشيته. وذكر الماوردي عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، ورواه ابن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم». فقال رجل: ما الجواظ وما الجعظري وما العتل الزنيم؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «الجواظ الذي جمع ومنع. والجعظري الغليظ. والعتل الزنيم الشديد الخلق الرحيب الجوف المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام الظلوم للناس». وذكره الثعلبي عن شداد بن أوس: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا عتل زنيم سمعتهن من النبي صلي الله عليه وسلم قلت: وما الجواظ؟ قال: الجماع المناع. قلت: وما الجعظري؟ قال: الفظ الغليظ. قلت: وما العتل الزنيم؟ قال: الرحيب الجوف الوثير الخلق الأكول الشروب الغشوم الظلوم». قلت: فهذا التفسير من النبي صلي الله عليه وسلم في العتل قد أربى على أقوال المفسرين. ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجواظ أنه الفظ الغليظ. ذكره من حديث حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري» قال: والجواظ الفظ الغليظ. ففيه تفسيران مرفوعان حسب ما ذكرناه أولا. وقد قيل: إنه ألجأ في القب وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ} قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: «تبكي السماء من رجل أصح الله جسمه ورحب جوفه وأعطاه من الدنيا بعضا فكان للناس ظلوما فذلك العتل الزنيم. وتبكي السماء من الشيخ الزاني ما تكاد الأرض تقله». والزنيم الملصق بالقوم الدعي، عن ابن عباس وغيره. قال الشاعر:
زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم الأكارع

وعن ابن عباس أيضا: أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة.
وروى عنه ابن جبير. أنه الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال عكرمة: هو اللئيم الذي يعرف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقيل: إنه الذي يعرف بالابنة. وهو مروي عن ابن عباس أيضا. وعنه أنه الظلوم. فهذه ستة أقوال.
وقال مجاهد: زنيم كانت له ستة أصابع في يده، في كل إبهام له إصبع زائدة. وعنه أيضا وسعيد بن المسيب وعكرمة: هو ولد الزنى الملحق في النسب بالقوم. وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده. قال الشاعر:
زنيم ليس يعرف من أبوه ** بغي الام ذو حسب لئيم

وقال حسان:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم ** كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

قلت: وهذا هو القول الأول بعينه. وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه الذي لا أصل له، والمعنى واحد. وروي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة ولد زنى ولا ولده ولا ولد ولده».
وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن أولاد الزنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير». وقالت ميمونة: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: «لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى فإذا فشا فيهم ولد الزنى أو شك أن يعمهم الله بعقاب».
وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنى قحط المطر. قلت: أما الحديث الأول والثاني فما أظن لهما سندا يصح، وأما حديث ميمونة وما قاله عكرمة ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش زوج النبي صلي الله عليه وسلم قالت: خرج النبي صلي الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول: «لا إله إلا الله. ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت فقلت: يا رسول الله، انهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» خرجه البخاري. وكثرة الخبث ظهور الزنى وأولاد الزنى، كذا فسره العلماء. وقول عكرمة: قحط المطر تبيين لما يكون به الهلاك. وهذا يحتاج إلى توقيف، وهو أعلم من أين قاله. ومعظم المفسرين على أن هذا نزل في الوليد بن المغيرة، وكان يطعم أهل منى حيسا ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحد تحت برمة، ألا لا يدخنن أحد بكراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة. وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفا وأكثر. ولا يعطي المسكين درهما واحدا فقيل: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ. وفية نزل: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ} [فصلت: 7- 6].
وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق، لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيما.
وقال ابن عباس: في هذه الآية نعت، فلم يعرف حتى قتل فعرف، وكان له زنمة في عنقه معلقة يعرف بها.
وقال مرة الهمداني: إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة.